الهجرة المقدسة، قصة إيمان!
إن هجرة الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لم تكن كأي رحلة أو سفر، لم تكن مشياً على الأقدام في صحراء مقفرة، لم تكن حرارة وتعباً ومشقة، كانت أكبر قصة لبداية مجتمع غير التاريخ وضرب الحضارة والحياة والإيمان مثلاً باقياً يسطع مادامت الشمس تسطع. إن أقدام الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم التي سارت صحراء الجزيرة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة لم تدس على رمال بل داست على بساط مخملي أحمر لتصل إلى بناء النفوس والأرواح والأذهان والهمم والعقول. إن من يفهم الهجرة على أنها رحلة تخفيف لعناء عذاب المسلمين في مكة المكرمة قبلها سيبقى فهمه قاصراً ولم ينل مما نال حدث الهجرة من تعظيم من الله عز وجل.
إن المحرك الأساسي للإنسان وتصرفاته هو عقيدته وإيمانه، فمن يؤمن بالقليل الوضيع يتحرك لهذا القليل الوضيع، ومن يؤمن بالعظيم الكبير الله سيتحرك حركة يرضى الله بها عنه حركة عظيمة تجسد عظمة الخالق البارئ. إن من يؤمن بحب امرأة يتحرك ويعمل كيفما شاءت محبوبته مع فنائها وفنائه، فكيف بمن يؤمن بالله الجليل الرحيم. إنه سيمشي ويعمل ويتنفس كله رجاء رضى الخالق عنه. {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ} (165) سورة البقرة
إن هجرة الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم جاءت تتويجاً لهجرة من آمن بمكة المكرمة وعذب وأوذي من المشركين، والذين أذن الله لهم أن يرتحلوا عن ديارهم وأمرهم بذلك فضحوا بالأرض التي ولدوا بها وببيوتهم التي عاشوا فيها وتركوا فيها ذكرى حياتهم الطويلة لينتقلوا إلى بلد لا يعرفون فيه أحد ولا يملكون فيه مأوى ولا مكاناً لكسب المال، رحلوا وكلهم يقين أن الذي أذن الله لن يتخلى عنهم، فإن الله لا ينسى من خلق ويكرم أشرف من خلق. إن التبرؤ من كل ما في الدنيا ابتغاء مرضاة الله هو قمة الإيمان وجلّ العقيدة. وهي قمة سنام الإسلام أن يؤمن الإنسان بوحدانية الله وقدرته (لا إله إلا الله) فيفوض كل أمره إلى العزيز القدير، ذلك ما فعله المهاجرون وأعظمهم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
إن المسلم اليوم يتعرض لمغريات كثيرة في هذه الحياة تبعده عن سبيل الله والطريق القويم، وإنه يحتاج لإيمان يرده إلى المسار الصحيح ويجعله مستقيماً عليه، لذلك قصة الهجرة بما علمتنا إياه من ترك الدنيا بما فيها مرضاة لله ستكون أعظم مثال للمسلم يقتدي به اليوم، فمع كثرة المغريات وانتشارها إلا أنها لن تكون بحجم ما تعرض له الصحابة من صعاب في زمن الهجرة المقدسة. فلتكن هجرتنا إلى الله كهجرتهم وفقنا الله وإياكم!
--
الفريق الإعلامي في جامع المحطة







