تكفير المسلمين, بين التشدد والشرع

46.jpg

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد:عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلّم : " ثلاث من أصل الإسلام الكفّ عن من قال لا إله إلا الله لا يكفّره بذنب و لا يخرجه من الإسلام بعمل ، و الجهاد ماض منذ بعثني الله عز و جل إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجّال لا يصرفه جور جائر و لا عدل عادل ، و الإيمان بالأقدار كلّها " الأحاديث المختارة للمقدسي .

جاء النبي صلى الله عليه و سلّم إلى هذه الأمة الهمجية التي لا تعرف من الحضارة شيئاً فأخرجها بلا إله إلا الله من الظلمات إلى النور و أبعدها عن الضلالة إلى الهداية و جعلها أرقى الأمم بما فتح الله عليها من المعارف. فالخير في أمة الإسلام باقٍ إلى يوم القيامة، ففي الأخبار أنه سوف يأتيها المسيح عليه السلام, قال عليه الصلاة والسلام:"يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً" وفي هذه الأمة يكون الإمام المهدي الذي سيقاتل الدجال و هو آخر أمة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلّم، فالإيمان موجود بالنفوس و لا يجوز لنا أن نكفر شخصاً قال لا إله إلا الله إلا في حالة واحدة فقط إذا أتى بالكفر البواح.

المراد أن ندخل الناس بالإسلام و نحببهم بشريعة الله و ليس المراد إخراج الناس من الملة، أقول لكم الآن ظهرت فئة في المجتمع كلما نظروا لإنسان فوجدوه تاركاً لسنة أو لبعض الأمور الشرعية الدينية بعض السنن أو بعض الواجبات يسرعون بتكفيره، وأن يقول المسلم لأخيه المسلم (يا كافر) هذه أثقل من السماوات و الأرض، يقول النبي صلى الله عليه و سلم:"إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان كما قال و إلا رجعت عليه"، مالك و البخاري و مسلم .

إذا قال لا إله إلا الله و أقام أركان الإسلام من صلاة و صيام و زكاة و حج، و لم يقدر مثلاً على تطبيق سنة اللحية معذوراً، و إما كسلاً و إهمالاً، هل هو متعمد الكفر؟ الجواب: لا، لا يمكن لمؤمن اليوم أن يتعمد الكفر حتى العصاة و المذنبين إذا جلست معهم تجد أنهم يحبون الله و رسوله و يخافون منه لكن أنفسهم جارت بهم على الخطيئة، و الدليل على ذلك إذا جلست مع أحدهم و سألت: أليس الفعل الذي تقوم به حرام يقول لك: نعم، هل يجوز أن تفعله؟ يقول لك: لا، ويقول لك: تاب الله علينا ادع لي أن يغفر لي و يسامحني و يرفع عني البلاء، إذاً لا يجوز أن نقول لإنسان عاص أنك كافر، تقول له إنك مؤمن تاب الله عليك، لأن كلمة مؤمن تلين القلب و تدفع العاصي نحو التوبة، أما كلمة كافر فهي تفتح الباب له على مصراعيه أن يفعل ما يشاء.

نحن في زمن صعب انتشرت فيه المعاصي، هل يستطيع الذي يعد ملتزما بدينه أن يطبيق الإسلام مئة بالمئة، قال سيدنا محمد صلى الله عليه سلّم لأصحابه أنهم في زمان من يترك عُشْر ما يؤمر به يخشى عليه، و سيأتي على الناس زمان إذا عملوا بعشر ما يسمعون كانوا من أهل الإيمان، لأن ذلك الزمان كان زمن النبي صلى الله عليه و سلّم, لا يوجد هنالك مخالفة و ترك لأوامر الشريعة، أما اليوم فقد انتشرت المعاصي و الإقبال على المحرمات و ترك الدين، لذلك يقول سيدنا محمد صلى الله عليه و سلّم:"العامل بسنتي عند فساد أمتي له أجر خمسين شهيد. فقالوا: يا رسول الله منا أو منهم. قال: بل منكم " و في رواية"أجر سبعين شهيد"، العلة:"لأنكم تجدون على الحق أعواناً و لا يجدون على الحق أعواناً".

في بعض الأحيان تجد الأب في البيت لا يصلي، لكن الابن يصلي و يحضر مجالس العلم، الأم لا تصلي و البنت تحفظ كتاب الله عز و جل، اليوم تفتح التلفاز على أي محطة تلقى الرقص و الغناء إلا ما رحم ربّي، فضائيتان أو ثلاث (يبيضون الوجه)، فحق المسلم على المسلم إعانته على الحق و ليس تكفيره و إخراجه من الملّة، يقولون لك مثلاً: إذا مشى هذا الرجل مع الرجل الفلاني فهو كافر، فلان يصلي كذا فهو كافر، فلان يمشي مع فلان فهو كافر، نقول له: من سلّمك محكمة الله ؟ من أذن لك بتكفير العباد ؟

أروع قصة وردت في السيرة النبوية ما ورد عن سيدنا أسامة بن زيد الذي كان يقاتل في أحد الغزوات فاستفرد بمشرك، هل هناك أكثر من ذلك؟ مشرك و يقاتل المسلمين، كفر بواح و يقاتل المسلمين، فلما همّ سيدنا أسامة بقتله قال المشرك: أشهد أن لا إله إلا الله، و أشهد أن محمداً رسول الله، فظنّ سيدنا أسامة أنه كذاب دجال فقتله، فتشوّش سيدنا أسامة من قتله الشخص الذي قال لا إله إلا الله: قالها بحق أم كذباً و هروباً من الموت؟ فذهب إلى سيدنا محمد صلى الله عليه الصلاة و السلام و قال له: بينما أنا البارحة بالمعركة و إذا برجل من المشركين نازلته فلما أردت قتله قال: أشهد أن لا إله إلا الله، و أشهد أن محمداً رسول الله، قال: فماذا فعلت يا أسامة، قال: لقد قتلته، فقال النبي عليه الصلاة و السلام: أقتلته و هو يقول لا إله إلا الله، يا أسامة: كيف بـ (لا إله إلا الله) إذا جاءت تحاججك يوم القيامة؟ أحب سيدنا أسامة أن يبرر موقفه و قال: يا رسول الله ما قالها إلا تعوّذاً، فقال النبي: هلا شققت عن صدره!، قال سيدنا أسامة: فوددت أني أسلمت بعدها.

من قال لا إله إلا الله لا يجوز لنا إخراجه من الإسلام بعمل، يقولون: هذا لا يصلّي إلا في رمضان، فهو كافر، يقولون: هذا موظّف و يأخذ رشوة فهو كافر، يقولون: هذا يصلي وراء الشيخ و الشيخ موظف في الدولة فهو كافر و الشيخ كافر، يكرهون المجتمع بأسره، حتى أنهم يكرهون أنفسهم، اسمعوا حديث النبي صلى الله عليه و سلّم في صحيح مسلم:"من صلى صلاتنا، و استقبل قبلتنا و أكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله و ذمة رسوله"، يمكن لك أن تقول عنه عاص و فاسق و فاجر، و لا يجوز لك أن تقول عنه كافر و لا بشكل من الأشكال، فأصل الإسلام أنه من قال لا إله إلا الله لا نكفّره بذنب و لا نخرجه من الإسلام بعمل.

يقول عليه الصلاة و السلام:"سباب المسلم فسوق و قتاله كفر"، إن هذه الفئة التي ظهرت اليوم في المجتمع هي فئة مدسوسة و فئة و العياذ بالله المراد منها تفتيت الجماعة، يقول عليه الصلاة السلام:" من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام". أصحاب هذه الفئة لا يصلون مع الجماعة لا خطبة جمعة و لا صلاة جماعة، نحن لوحدنا، أين تصلون، قالوا: على رؤوس الشجر ، هل صلى سيدنا محمد صلى الله عليه و سلّم على الشجرة، يأخذ أربعة أو خمسة من الأشخاص و يخطب فيهم على رأس الشجرة، و إذا سألته ألم تفارق الجماعة يقول لك أين الجماعة؟، ألم تترك صلاة الجمعة، يقول لك: لا جمعة علينا! المناقشة معهم عقيمة، يقول عليه الصلاة و السلام:" من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع على قلبه" لذلك مهما تناقشت معه لا يعدل عن أفكاره، يحاول أن يقيم عليك الحجة و لا حجة لديه، يحاول إقامة الدليل عليك و ليس لديه دليل بل نفس و هوى و شيطان.

قال عليه الصلاة و السلام:"عليكم بالجماعة، و إنما يأكل الذئب من الغنم القاسية و إن ذئب الجماعة الشيطان"، عندما نقرأ بالفاتحة:[بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين]، و ليس ربنا وحدنا بل رب كل العالمين، [الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد و إياك نستعين، اهدنا الصراط المتسقيم]، نقول اهدنا مع أنك لوحدك تصلي قيام الليل في البيت، و إذا قلت اهدنِ بطلت صلاتك، لكي لا تنسى جماعة المسلمين حتى و أنت تصلي لوحدك في البيت قيام الليل، يقول النبي صلى الله عليه و سلم في حديث آخر:"اتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار"، أين السواد الأعظم اليوم، كلهم بالجوامع، أين تلك الفئة؟ هم لوحدهم .. يكفرون الخلق و العباد، إذا رأى أباه يقول له كافر، أمه كافرة، يسأله سؤالين أو ثلاثة في العقيدة و هم (دراويش على باب الله) اسأل عالماً أو طالب شريعة، يقول له: أين الله؟ فإن تلعثم في الجواب كفّره، أقول لمن يكفر الخلق بهذه الطريقة، علِّم من لا يعلم و لا تكفر العباد على جهلهم، ورد في بعض كتب العقيدة على لسان بعض الفلاسفة الذين درسوا العقيدة أنهم يتمنّون أن يكون لديهم إيمان العجائز لأن إيمانهم إيمان على الفطرة.

جاء أحد المسلمين إلى سيدنا محمد صلى الله عليه و سلّم و قد اقترف ذنباً و كفارة الذنب إعتاق رقبة، فأحضر جارية إلى النبي صلى الله عليه و سلّم، أراد النبي اختبارها إن كانت مؤمنة أو غير مؤمنة، فقال لها: أين الله؟ فرفعت رأسها لفوق، هذا ليس معناه أن الله موجود الآن في السماء[ و هو معكم أينما كنتم ] إنما رفعت رأسها لجهة العلوّ فنحن عندما ندعو الله تعالى و نرفع أيدينا إلى الأعلى تعظيماً و رفعة لحضرة الله تعالى، إلا أن الله تعالى معنا أينما كنّا، هذه الجماعة حفظت أن الله في السماء، و إن لم تقل أن الله بالسماء فقد كفرت، و حفظوا أن الله تعالى الآن يجلس على الكرسي؟! لقد حجموا الله و متى ما حجم الإنسان شيئاً فقد أصبح حادثاً و الحادث يحتاج إلى محدث، و الله تعالى ليس حادثاً بل هو الواجد لكل شيء و لم يوجد الله سبحانه و تعالى أحد، ثم أكمل النبي صلى الله عليه و سلّم السؤال، قال:من أنا؟ فقالت:رسول الله، فقال:أعتقها فإنها مؤمنة.

إن منهج الإسلام يقوم على تعليم الجاهل، فإن ارتكب شيئاً يعبّر عن جهله حتى و لو كان كلمة الكفر نحاول تنبيهه و تعليمه، مثلاً: إن كنت جالساً مع جاهل و قال لك:(يعطي الله الحلاوة ليلي ما لو سنان)، و هي كلمة كفر فنبهه و قل له المعنى الصحيح لعبارته بأن الله جل في علاه (لا يفهم و ليس لديه علم) سبحانه و تعالى، تراه يقول لك: أعوذ بالله لم أقصد عندما قلت العبارة ما فسرته لي أستغفر الله و أتوب إليه.

يقول النبي صلى الله عليه و سلّم:"كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه"، هم عندما يكفّرون الخلق يأخذون التكفير باباً لإباحة دم المسلم و قتله، فهم خطيرون جداً، إذا أتاك أحدهم و قال لك أن فلاناً كافر فقل له: ليس بكافر، هل هناك أعظم من أن يرتكب المسلم الزنا؟ جاء سيدنا ماعز لعند رسول الله صلى الله عليه و سلّم، قال: يا رسول الله زنيت فطهّرني، فقال له النبي صلى الله عليه و سلّم: يا ماعز لعلك لامست لعلك قبّلت، لعلّك عانقت، قال: لا لقد زنيت فطهّرني، فالتفت إلى الموجودين لدرء الحدود بالشبهات و قال لهم: أبصاحبكم جُنّّة؟، فقالوا: ما نعرف أحداً أعقل منه، فقال النبي صلى اله عليه و سلّم: خذه يا فلان و يا فلان فاحفرا حفرة و ارجموه، فضربوه حتى مات، فقال أحد الصحابة و هم يضربوه: لم يزل يذهب بنفسه حتى رُجِمَ رَجْمَ الكلب، فسمع نبي الرحمة صلى الله عليه و سلّم قول الصحابي فقال: والذي نفس محمد بيده لقد تاب توبة لو وزعت على أهل المدينة لكفتهم، و الذي نفسي بيده إني لأراه الآن ينغمس في أنهار الجنّة.

لقد اعترف الصحابي بأنه زان و لم يكفّره أحد من صحابة رسول الله عليه و سلّم، نصيحتي لكم أيها الإخوة و الأخوات:
1- إيّاكم ان تكفّروا مسلماً.
2- إياكم ان ترضوا أن يكفر مسلم مسلماً أمامكم و قل له: اتق الله لا يجوز.
يقولون لك أنّ هذا كافر لأنه ليس لديه لحية، و ذاك لأنه موظف، و آخر و آخر .... آه آه ... أعدائنا يتربصون بنا الدوائر بالخارج و أنت تخرج الملسمين من الملّة في الداخل و إذا ما خاب ظنّي أنت تساعد من يخطط ضد أمتنا بالخارج، فهدف المؤمن توحيد الصف و جمع الكلمة و يهدف أن يكون المسلمون كلهم على قلب واحد، احفظوا: من كفّر مسلماً فقد كفر.
جعلكم الله تعالى من أهل الجنة و أهل الطاعة و العبادة و جعلنا و إياكم مع سواد المسلمين و لا تجعلنا نشذّ إلى النار يا أكرم الأكرمين، و الحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضيلة الشيخ محمد علي برنية
إمام وخطيب مسجد المحطة في الزبداني