عمر بن الخطاب (( اسمه نسبته ونشأته ))

اسمه نسبته ونشأته

ينتهي نسب عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رباح إلى كعب بن لؤي القرشيّ العدويّ . اشتهر بنو عدي ـ وهم بطن من بطون قريش ـ بالشرف والمجد وكانت لهم مواقف مشهورة في الإسلام .
ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل الذي رفض عبادة الأوثان في الجاهليةَّ والتزم الحنيفيةَّ ، وابنه سعيد بن زيد أحد العشرة المبشِّرين بالجنَّة ، وخارجة بن حذافة الذي ولي قضاء مصر في عهد عمرو بن العاص ويجتمع نسب عمر مع الرسول في الجد السابع ، ويجتمع معه من جهة أمه في الجد السادس ، وكنيته أبو حفص،كنَّاه الرسول بذلك لما رأى فيه من الشدة .
نشأ عمر كما نشأ غيره من أطفال قريش إلا أن أباه اهتم بتعليمه القراءة والكتابة ، فلما شب الغلام كان واحداً من سبعة عشر يتقنون القراءة والكتابة في مكة كلِّها ! . . .
وأقبل الغلام على كل ما يقع عليه من كتب ، فحفظ الشعر وأيام العرب ، وأنسابهم ، وأعدَّ نفسه ليملأ رأسه بكل معارف عصره ، غير أن أباه الخطاب لم يتركه ليستمتع بالقراءة كما يشتهي ، بل حمله على أن يرعى الإبل في الوديان المعشبة المحيطة بمكة . . . وهناك عانى عمر الكثير من غلظة أبيه وشدته عليه ، فكان إذا عمل أتعبه ، وإذا غفى ليستريح ضربه .فلما بلغ عمر أشده واستوى ، أتاه الله بسطة في الجسم ، فأصبح فتى أبيض الوجه مشرِّباً بالحمرة ، حسن المحيا ، طويلاً قد فاق الناس طولاً حتى كأنه على دابة وأقبل على تعلُّم الفروسية و المصارعة حتى أتقنهما ، فكان يمسك أذن الفرس بيد ، والأذن الأخرى بيده الأخرى ، ثم يثب على الفرس حتى يقعد عليه بين إعجاب الشباب من قريش ، وينطلق به الفرس يسبق كل من يسابقه ، ولقد تفوق في المصارعة حتى صرع كلَّ من صارعه . وشجعه أبوه على هذا التفوُّق ، فقد كان أبوه شيخاً لقبيلة صغيرة اسمها بني عدي ، وكانت القبيلة تعاني من قلة العدد ، ومن الضعف ، حتى استضعفها بنو عبد شمس فأجلوها عن مواقعها أسفل جبل الصفا ، فآواها العاص شيخ بني سهم ووالد عمرو ، وأسكنها في مساكنهم ، وكان العاص كثير المال ، وكان يلبس الحرير الموشى بالذهب . سرّ بنو عديّ أن يبرز من شبابهم فتى يشتهر بالقوة ، ويعرف القراءة والكتابة ، ويتقن معارف شتى،ذلك أن هذا الامتياز بالقوة البدنية والعقلية يعوض القبيلة عن فقرها ، وقلة عددها وضعفها ، ويكسبها الهيبة بين قبائل قريش .
أحبَّ عمر الخيل والمعرفة ، ولزمه حبُّ الخيل وحب المعرفة طوال حياته .. ولقد فوجىء الناس ذات يوم من أيام خلافته ، بفرس يركض حتى كاد يطأ الناس ، وعليه فارس طويل مهيب ، وإذ به الخليفة عمر بن الخطاب ، فلما قرأ الدهشة والإنكار على الوجوه قال : وما أنكرتم ؟! وجدت نشاطاً فأخذت فرساً وركضته .
كان شباب عصره يشربون ويطربون ، فأدلى عمر بدلوه معهم ، وأسام سرح اللهو حيث أسامو ! إلا أن ولعه بالمعرفة شغل كثيراً من الوقت الذي كان يستهلكه غيره من الشباب في الخمر والنساء . ثم اشتغل بالتجارة كما يشتغل غيره ... ولكنه كان صارماً ، شديداً ، يكاد لا يبتسم ، فلم تؤهله تلك الصفات للكسب ، ولكنه ربح من التجارة ما هو أنفع له من المال .. ما انتفع هو به ، وما نفع به الناس من بعد : كسب معرفة طبائع البشر ، وكسب معارف جديدة من البلاد التي زارها للتجارة إذ أنه لم يكتفِ برحلة الشتاء أو رحلة الصيف ، كإيلاف قريش إلى اليمن والشام ، ولكنه تعود أن يسافر إلى بلاد الفرس والروم ، وهناك تعلم كثيراً من فنون الحكمة ، كما لم يتح لأحد غيره ممن تشغلهم التجارة وحدها . . .
كان أهل مكة في ذلك الزمن يعبدون الأصنام ، ولكن نفراً منهم نفروا من عبادتها ، وشرعوا يتأملون ويحاولون أن يتعبدوا بما يشبع أرواحهم ويرضي عقولهم ، ومنهم من اعتنق النصرانية ، ومنهم من هام على وجهه يبحث عن الحقيقة ، ومنهم من وقع على صحف إبراهيم وموسى وكان منهم زيد بن نفيل عم عمر . . . وقد اهتدى زيد إلى دين إبراهيم ، ودعا قومه إلى عبادة إله واحد لا يشركون به شيئا ً، وقال لهم : أيرسل الله مطر السماء ، وينبت بقل الأرض ، ويخلق السائمة فترعى منه ، وتذبحونها لغير الله !؟ والله ما أعلم على ظهر الأرض أحداً على دين إبراهيم غيري . . . فأنكره قومه ، وكان الخطاب أعظمهم إنكارا ، واشتدت قريش على زيد حتى اضطرته إلى الهيام في أرض الله . . فما كان يمكن لقريش أن تسمح لأحد أن يسفه آلهتها من أصنام الكعبة التي يحج إليها العرب جميعاً ، فتتدفق أموالهم على أهل مكة ، حيث تقام الأسواق قبل موسم الحج ، وتظل طوال الموسم ، وكان أشهرها سوق عكاظ الذي يضم الملاهي ، والملاعب ، وألوان المتاع والرياضة وفنون المساجلات من شعر ونثر . . . وفي سوق عكاظ هذا برز عمر فارساً لا يلحق أحد به ، ومصارعاً يصرع كل من صارعه ، وصاحب لهو ، وصاحب معرفة تفوَّق بها على الأقران . وقد أهلته هذه المعرفة مع حسن بيانه ، وطلاقة لسانه ، لأن يكون سفيراً لقريش ، فهو عالم بالتاريخ ، وبأنساب العرب ، مطّلعاً على حكم الشعوب الأخرى ، حريّ بأن يفاخر عن قريش ، وأن يحاور سائر أمراء العرب ، بما يملأ عقله من حكمة ، وبما ثقَّف روحه من حنكة . . وفي الحق أنه كان يدافع عن كل ما ألفته قريش من عادات وعبادات ونظم ، وكانت له طبيعة مخلصة تجعله يتفانى في الدفاع عمّا يؤمن به . . وهو على الرغم من شدته فيما يؤمن بأنه حق ، رقيق المشاعر ، يطرب للجمال ، ويهزُّه الشعر الجيد فيتغنى به ، وكان حسن الصوت.

علِّق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • رقم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق